القاضي عبد الجبار الهمذاني

3

متشابه القرآن

وكل ذلك يوجب أن يرجع في دلالة القرآن إلى أن يعرف تعالى بدليل العقل وأنه حكيم لا يختار فعل القبيح ، ليصح « 1 » الاستدلال بالقرآن على ما يدل عليه « 2 » . فإن قال : إن صح أن يستدل عليه تعالى بسائر أفعاله قبل أن يعرف ، فهلا جاز أن يستدل بالقرآن عليه قبل أن يعرف « 3 » ؟ ! قيل له : قد بينا أن الكلام لا يدل على ما يدل عليه لأمر يرجع اليه ، وإنما يدل لكون فاعله حكيما ، ولذلك لم يدل كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم على الأحكام إلا بعد العلم بأنه رسول حكيم لم يظهر المعجز عليه إلا لكونه صادقا في سائر ما يؤديه ، وليس كذلك دلالة الفعل « 4 » على أن فاعله قادر ، ولأنه إنما يدل « لأمر يرجع « 5 » إليه لا يتعلق باختيار مختار . وهو أن الفعل إذا صح

--> ( 1 ) في الأصل : لم يصح . ( 2 ) هذه الجملة التي قدمها المؤلف رحمه اللّه بين يدي كتابه في تفسير متشابه القرآن ، ليست ضرورية لتصحيح استدلاله فيما يأتي من الآيات على مذهبه في العدل والتوحيد فحسب ، ولكنها - فيما يتضح - مسألة موضوعية لا بد من تقديمها بين يدي أي استدلال بالقرآن أو بحديث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، كما برهن عليها قاضي القضاة ، وقد قال معلق كتابه . « شرح الأصول الخمسة » - الإمام أحمد بن الحسين بن أبي هاشم - عند الكلام على استدلال القاضي رحمه اللّه بآيات من القرآن على أن اللّه تعالى لا يجوز أن يكون خالفا لأفعال العباد . إن القاضي « لم يورده على طريقة الاستدلال والاحتجاج ، فان الاستدلال بالسمع على هذه المسألة متعذر . لأنا ما لم نعلم القديم تعالى ، وأنه عدل حكيم ، لا يظهر المعجز على الكذابين ، لا يمكننا الاستدلال بالقرآن » ، ولا يدفع هذا بأنه تعالى إنما يعرف ضرورة في دار الدنيا ، أو تقليدا ، لأن من مذهب المؤلف أن العلم باللّه تعالى ليس ضرورة وإنما هو اكتساب يقوم على النظر والاستدلال . راجع شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ، بتحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان ، طبع مصر 1384 ، ص 51 - 64 وص 354 - 355 . ( 3 ) واضح من هذا أن القرآن فعل من أفعاله تعالى . وهذا ينبنى على مذهب المعتزلة في نفى الصفات الأزلية . ولذا فان الاعتراض المذكور إنما يقع ممن يقول بمذهبهم في القرآن . أما المخالفون في ذلك فقد أفرد لنقاشهم فيه وفيما ينبنى عليه المسألة الرابعة . ( 4 ) في الأصل : العقل ( 5 ) في الأصل : لا مرجع .